الشيخ الأميني
34
الغدير
فوائدها ، وبذلك كله تجد كتبه طافحة بالتحقيق ودقة النظر ، وله في العرفان والحروف مسالك خاصة ، كما أن له في ولاء أئمة الدين عليهم السلام آراء ونظريات لا يرتضيها لفيف من الناس ، ولذلك رموه بالغلو والارتفاع ، غير إن الحق أن جميع ما يثبته المترجم لهم عليهم السلام من الشؤون هي دون مرتبة الغلو غير درجة النبوة ، وقد جاء عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قوله : إياكم والغلو فينا ، قولوا : إنا عبيد مربوبون . وقولوا في فضلنا ما شئتم ( 1 ) وقال الإمام الصادق عليه السلام : اجعل لنا ربا نؤوب إليه وقولوا فينا ما شئتم ، وقال عليه السلام : وقال عليه السلام : إجعلونا مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم فلن تبلغوا ( 2 ) . وأنى لنا البلاغ مدية ما منحهم المولى سبحانه من فضائل ومآثر ؟ وأنى لنا الوقوف على غاية ما شرفهم الله به من ملكات فاضلة ، ونفسيات نفيسة ، وروحيات قدسية ، وخلائق كريمة ، ومكارم ومحامد ؟ فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام ؟ أو يمكنه اختياره ؟ هيهات هيهات ضلت العقول ، وتاهت الحلوم ، وحارت الألباب ، وخسئت العيون ، وتصاغرت العظماء ، وتحيرت الحكماء ، وتقاصرت الحلماء ، وحصرت الخطباء ، وجهلت الألباء ، وكلت الشعراء ، وعجزت الأدباء ، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه ، وفضيلة من فضائله ، وأقرت بالعجز والتقصير ، وكيف يوصف بكله ؟ أو ينعت بكنهه ؟ أو يفهم شئ من أمره ؟ أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه ؟ لا . كيف ؟ وأنى ؟ فهو بحيث النجم من يد المتناولين ووصف الواصفين ، فأين الاختيار من هذا ؟ وأين العقول عن هذا ؟ وأين يوجد مثل هذا ؟ ( 3 ) . ولذلك تجد كثيرا من علمائنا المحققين في المعرفة بالأسرار يثبتون لأئمة الهدى صلوات الله عليهم كل هاتيك الشؤون وغيرها مما لا يتحمله غيرهم ، وكان في علماء قم من يرمي بالغلو كل من روى شيئا من تلكم الأسرار حتى قال قائلهم : إن أول مراتب الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله إلى أن جاء بعدهم المحققون وعرفوا الحقيقة فلم يقيموا لكثير من تلكم التضعيفات وزنا ، وهذه بلية مني بها كثيرون من أهل الحقائق
--> ( 1 ) الخصال لشيخنا الصدوق . ( 2 ) بصائر الدرجات للصفار . ( 3 ) من قولنا : فمن ذا الذي يبلغ . إلى هنا مأخوذ من حديث رواه شيخنا الكليني ثقة الاسلام في أصول الكافي ص 99 عن الإمام الرضا صلوات الله عليه .